الشنقيطي
95
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
ليصمت » « 1 » ، ولا تنعقد يمين بمخلوق كائنا من كان ، كما أنّها لا تجوز بإجماع من يعتّد به من أهل العلم ، وبالنصّ الصحيح الصريح في منع الحلف بغير اللّه ، فقول بعض أهل العلم بانعقاد اليمين به صلى اللّه عليه وسلم لتوقّف إسلام المرء على الإيمان به ظاهر البطلان ، واللّه تعالى أعلم . * * * المسألة الثالثة : يخرج من عهدة اليمين بواحد من ثلاثة أشياء : الأول : إبرارها بفعل ما حلف عليه . الثاني : الكفّارة ، وهي جائزة قبل الحنث وبعده على التحقيق . الثالث : الاستثناء بنحو إن شاء اللّه ، والتحقيق أنّه حلّ لليمين لا بدل من الكفارة ، كما زعمه ابن الماجشون ، ويشترط فيه قصد التلفّظ به ، والاتّصال باليمين ، فلا يقبل الفصل بغير ضروري كالسعال ، والعطاس ، وما ذهب إليه ابن عبّاس وغيره من جواز تراخي الاستثناء . فالتحقيق فيه أنّ المراد به أنّ العبد يلزمه إذا قال « لأفعلنّ كذا » أن يقول : إن شاء اللّه ، كما صرّح به تعالى في قوله : وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً ( 23 ) إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [ الكهف : 23 - 24 ] فإن نسي الاستثناء بأن شاء ، وتذكّره ولو بعد فصل ، فإنّه يقول : إن شاء اللّه ؛ ليخرج بذلك من عهدة عدم تفويض الأمور إلى اللّه وتعليقها بمشيئته ، لا من حيث إنّه يحلّ اليمين الّتي مضت وانعقدت . ويدلّ لهذا أنّه تعالى قال لأيّوب : وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ [ ص : 44 ] ، ولو كان تدارك الاستثناء ممكنا لقال له قل : إن شاء اللّه ، ويدلّ له أيضا أنّه ولو كان كذلك لما علم انعقاد يمين لإمكان أن يلحقها الاستثناء المتأخّر ، واعلم أنّ الاستثناء بأن شاء اللّه يفيد في الحلف باللّه إجماعا . واختلف العلماء في غيره كالحلف بالطلاق والظهار والعتق ، كأن يقول : إن دخلت الدار فأنت طالق إن شاء اللّه ، أو أنت عليّ كظهر أمّي إن شاء اللّه ، أو أنت حرّة إن شاء اللّه ، فذهب بعض العلماء إلى أنّه لا يفيد في شيء من ذلك ، لأنّ هذه ليست أيمانا ، وإنّما هي تعليقات للعتق والظّهار والطلاق ؛ والاستثناء بالمشيئة إنّما ورد به الشرع في اليمين دون التعليق ، وهذا مذهب مالك وأصحابه ، وبه قال الحسن ، والأوزاعي ، وقتادة ، ورجّحه ابن العربي وغيره . وذهب جماعة من العلماء إلى أنّه يفيد في ذلك كلّه ، وبه قال الشافعي . وأبو حنيفة ، وطاوس ، وحمّاد ، وأبو ثور ، كما نقله عنهم ابن قدامة في المغني ، وفرّق قوم بين الظّهار
--> ( 1 ) أخرجه عن ابن عمر : البخاري في الشهادات حديث 2679 ، والأدب حديث 6108 ، والأيمان والنذور حديث 664 ، ومسلم في الأيمان حديث 3 و 4 .